سلايد،،مجتمع،

الريان :باب الصائمين بالجنة الذي لن يغلق


بقلم سدي علي ماءالعينين ،أكادير ،فبراير، 2022(مقال15)

بركاتك يا أيها الصبي “ريان”، أيها المهمل في جبال الريف :

“جبال الريف انا شفتك تبكي، دموعك ضايقة المرارة”

مات حامل اسم باب الصائمين بالجنة صوما لخمسة ايام في قبو وصفوه بجب يوسف، وهو في حقيقة الأمر ليس سوى ثقبا في ذاكرة الزمن المغربي، 

لن اتكلم عن تفاهة صحافة بلادي الذي أراد لها إدريس البصري في زمانه أن تكون جرائد  بمدير مسؤول يمتهن كل المهن غير الصحافة، لتتطور في زمن “روتيني اليومي” إلى مواقع لشباب لا يملك رؤية لتغيير واقعه غير حمل كاميرات رديئة من صنع صيني تتعقب اعطاب المجتمع، ولأنها لا تملك سبيلا للحصول على الدرهم، وجدت ضالتها في “جيمات” ” تجلب المال وتضرب العِرض في العمق، 

لن اتكلم عن طفل رمت به الأقدار في ثقب ليلقى مصيره في بلد عمل كل ما بوسعه لسد ثقوب الماضي، لكنه يبقى عاجزا عن سد ثقب التنمية في ربوعه رغم برنامجه التنموي الجديد، 

قضيت الخمس ليالي الماضية اتعقب سلوك مجتمع وجد في ريان ظالته ليفرغ مكبوتاته إتجاه بلده، 

عاينت تلك الأصوات التي تبخس عمل المنقدين ولم يكلفوا أنفسهم مجرد دراسة كتابات المرحوم الغرباوي عن طبيعة تضاريس الريف وجباله وتربته الكلسية، 

عاينت شباب، وحتى أطفالا دفعهم “البوز” المغلف بحب ريان يتصورون أمام كاميرات متطوعين للنزول إلى الثقب، غير ابهين بالطفل أكثر من بحثهم عن بطولة في الوقت الضائع، 

عاينت جماهيرا مسكونة بالفضول تركت  كل انشغالاتها وتقف تتعقب الحدث لعل قناة تلتقط لهم صورا، رغم انهم غير ابهين بخطورة وجودهم، على سلامة الطفل ريان، 

وفجأة تبادر إلى خيالي عمدا سؤال الهوية :

كيف يمكن لشاب في منطقة منسية اسمها الريف وباب برد أن يكون اسمه “ريان”؟ 

وبسرعة جائني الجواب من بطل ملتحي لم يترك قناة الا و ظهر فيها، ولا ميكرفونا الا  و عطره بكلامه عن الله وعن النبي يوسف، وعن المعجزة الإلاهية، وفي مشهد سوريالي ساعات قبل إخراج الصبي كان يلعب دور المايسترو في ملحمة تلاوة أدعية خطيب الحرم المكي الشريف في قبالة مخرج القبو، 

لقد ابانت الدولة على أنها لا تجيد فقط استخراج معادن تُتهم انها لا تصل للمغاربة، لكنها ترجمت بالفعل انها قادرة على استخراج معدن الإنسان المغربي ولو هدت جبلا من تلك الجبال التي قال عنها تعالى :

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” 

وهاهو جبل شامخ بتاريخه وبرجالاته و هو يحضن ابن آدم، طفل بريئ، فعرى كل ذلك النفاق الذي يحمله البشر، شر يدفع بعضنا دفعا أن نسخر ضعفنا لجني ثمار حياة فانية، 

ريان طفل مات، وهذا ليس بحدث، ففي كل بقاع العالم أطفال يموتون، فالموت ليس لها عمر محدد، وموته أقل ضراوة من أطفال ضحايا مغتصب الأطفال بتارودانت، وليس أكثر مأساة من أطفال محرقة حافلة شبيكة بطانطان، ولا ضحايا حريق مخيم الشبيبة والرياضة، ولا تهور سائق في عربة للنقل السري جرفتها فيضانات تيمولاي، ولا أشد قساوة من أطفال وشباب ضحايا ملعب شيد وسط وادٍ انهار وانهارت معه المدرجات في سيول جارفة، 

هكذا هو الموت يتلون ويتحور، ويعكس حقيقتنا، 

ريان مات، وابوه بدل أن يحفر له قبرا من متر، حفر له ثقبا من أكثر من ثلاثين مترا، 

مرت الحكاية بموت الصبي، كما حدث في كل الوقائع المشابهة التي يفوق عمق الثقب فيها ثلاثين مترا، و تتجاوز المدة الخمسة ايام، واخرها قبل ثلاث سنوات بإسبانيا، 

مرت الحكاية ورسمت ملحمة “مخزنية” بمفهوم المخزن الذي يعني في تاريخه الوحدة الوطنية والحماية و فهم الذهنية المحلية، 

فمن يشككون في دولتهم عليهم أن يعترفوا أن المخزن هدم جبلا من أجل طفل، 

لكن الحكاية عرت جشع جمهور بدأ بالصفير ضد المخزن وهو يدبر الأزمة قبل أن يدرك عبر اعتراف العالم انه كان على خطأ، وفي نهاية الحكاية أراد أن يسلب المخزن انتصارا محتملا ووقف أمام القبو يلبس المشهد لبوس الوهابية التي انبرت قنواتها تحتضن الحدث، و ملتحي يردد أدعيتهم، 

المغرب هو أكبر من نزوات جشعة وبشعة، تركب على كل الأحداث لترسم لنفسها طهرانية إنسانية ظاهرها غير باطنها، 

ريان اسم على مسمى، صام حتى الموت، والله الذي يقبض الأرواح في البر والبحر، يقبضها تحت التراب ونتكفل نحن باثمنا لنواريها التراب، 

رحمة الله على صغيرنا ريان، واجمل ما في التعزية الملكية ذكر الاسم الكامل للأب والأم،ولم يذكر الطفل بالاسم، ليذكرنا بأسماء بلادنا، أسماء مرتبطة بالتراب والأرض والتضاريس!!! 

مات ريان الإنسان لكن الريان باب بالجنة لن يقفل، فلكي تدخلوا منه كونوا من الصائمين عن جشعكم وعن حبكم لملذات الدنيا، وصوموا عن نواياكم و خلفياتكم، 

صوموا عن ما لا يرضي الله، كي تعبروا باب الريان، 

اما ريان فحي يرزق عند خالقه الذي سيزين لكم الجنة باطفال هم طيور الجنة، 

فهل تعتبرون؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى