رأيسلايد

نهاية ابن كيران

لم أكن أتوقع حُسنا من الذين أجَّروا ألسنتهم للشيطان في أن يقولوا خيرا أو أن يصمتوا، فمبرر وجودهم أصلا لا يسمح إلا أن يكونوا كذلك، ولم أكن أيضا أتوقع أن تقلع حليمة عن عادتها القديمة في اصطياد كلمة هنا أو هناك، لبناء قصور من الرمال سرعان ما تذروها رياح الحقائق الثابتة، والوقائع التي لا ترتفع، ألفنا من إعلام مسكون بحسابات الزمن الصفر من السياسة، ومن ساسة الدجل، على حد سواء أن يتنكبوا عن الموضوعية وأن يغتالوا ما تبقى لهم من مصداقية إن كان لها وجود في سيرهم الذاتية المثخومة بالإستبلاد و”بيع القرد والضحك على من اشتراه”، ألفنا منهم أن يغمضوا أعينهم استكبارا عن الحقائق وهي تفقأ العيون بوضوحها ونصاعتها، وأن يتجنوا على الوقائع مهما بلغت قامتها وتجدر أصلها، ألفنا منهم أن لا يروا إلا ما تريد قلوبهم الأمارة بالسوء، وما يريده الماسكون بالحبال من خلف الستار أن يروه أو يُروه.
لقد كشف انعقاد المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية في أجواء ديمقراطية عادية جدا بالنسبة لحزب طبَّع مع الديمقراطية من مدة طويلة وراكَم فيها كسبا لا أحد يمكن له أن ينكره، عن فوبيا ضخمة وعميقة لدى كثير من الأطراف السياسية وأدواتها الإعلامية، تجاه ظاهرة اسمها ابن كيران، فتلك الأطراف التي شكَّل لها ابن كيران “عقدتها المصيرية” وهو يرأس الحكومة على مدى خمس سنوات سمان، هي ذاتها بالاسم والعنوان والصفة ما زال ابن كيران غصة حلقها وهو خارج أي مسؤولية حكومية، فإذا كان بالإمكان ولو تجوزا وعلى مضض أن نتفهم سلوك هذه الأخيرة وابن كيران يرأس الحكومة، باعتبار ذلك السلوك على هشاشته وتيهه ولا معقوليته، جزء من التدافع السياسي المشروع، فلماذا يا ترى ما يزال هؤلاء القوم مصرين على اجترار نفس الأسلوب وإعادة انتاج نفس الخطايا؟؟
لقد كان منتهى قصد البعض، ومبلغ علمه أو تعالمه، أن لا يرى في المجلس الوطني إلا نهاية لابن كيران، ولو تم ذلك عبر تقويل الوقائع ما لم تقل، وتحميل الأخبار ما لا تحتمل، فليس غريبا أن تدبج المقالات والافتتاحيات بمحبرة الحقد القديمة، وتعنون بعناوين السوق والإثارة، رغم أن الوقائع لا تقول أي شيء مما تتمناه تلك الأنفس المريضة، فالمجلس الوطني ليس مبرمجا له في جدول أعماله أن يبث في استمرار ابن كيران لولاية ثالثة من عدمها على رأس الحزب، ولا يمكن أن نصدق دموع التماسيح التي يذرفها البعض بكاء على ديمقراطية الحزب الداخلية وحرصا على مساطره، بقدر ما يكشف عمق الرعب الذي يسكن أصحاب هذه الدعوى ومن خلفَهم من ابن كيران، ولدى نقول لهؤلاء وأولئك، إن خوفكم ورعبكم سيستمر طويلا وعميقا، فالمدرسة التي أنبتت ابن كيران قادرة على أن تقض مضاجعكم بالعشرات من “ابن كيران”، ممن ترعرعوا في مدرسة العدالة والتنمية وتنسموا أريج مبادئها، وضبطوا إيقاع سلوكهم بالمصداقية والتفاني والتجرد لخدمة الصالح العام بلا جزاء ولا مَنٍّ، فمعركتكم الحقيقية هي في هزم هذه المدرسة وليس في ابن كيران، وهي معركة ستبقون عاجزين عن خوضها أصلا، لأن ميدانَها ليس في الإعلام وضجيجه ولا في السياسية ومكرها ولا فيهما معا مجتمعين، المعركة في قلوب المواطنين، وعقول الشعب، وهؤلاء لا يمكن خداعهم ولا شراء ولائهم، إلا بعملة واحدة تعز لديكم، إنها العمل ثم العمل مقرونا بالصدق والتجرد، وغيرها مرفوض مهما كان بريقها ولمعانها، فالعبرة في هذه المعركة بالخواتيم والنفَس الطويل ! فهلا أعددتم  للنزال عُدَّته؟ ولسؤال الشعب جوابَه؟ وللجواب صوابَه؟  وإلى ذلكم الحين سيظل ابن كيران رمزا وطنيا وزعيما سياسيا كبيرا وسيستمر في رعبكم إلى ما شاء الله لكم من رعب وخوف!
لم يكن مطروحا على المجلس الوطني أن يجيب على سؤال الولاية الثالثة للأستاذ عبد الإله ابن كيران، فالطلبات المقدمة في هذا الباب تمت إحالتها على جهة الاختصاص، وحين تكتمل الصورة سيتم إحالتها على الأجهزة التقريرية، وسيتخذ القرار اللازم بالآليات الديمقراطية المعروفة، وسيتم الانضباط للقرار من طرف الجميع، لكن لماذا لم ير هؤلاء المغرضون من المجلس الوطني إلا ما تمنته نفوسهم، في حين شكَّل هذا  الانعقاد لحظة سياسية وديمقراطية بامتياز، واستطاع أن يضخ في المشهد السياسي الوطني جرعات مهمة في ترشيد الممارسة التنظيمية، وعقلنة أداء الفاعل السياسي، فانعقاد المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية وطبيعة السياق السياسي الذي انعقد فيه،  والأجواء التي سادت مجرياته، ليس حدثا عاديا يمكن المرور عليه مرور الكرام، فهو يجسد فعلا وليس ادعاء:
    •    دليلا قائما لا يقبل الشك أو المواربة، على أننا أمام تنظيم سياسي لا يمكن أن يخلف موعده مع الديمقراطية، وأن هذه الأخيرة جزء من هويته وكينونته، التي بدونها لن يتحقق له وجود، ولن يكون له ما يبرر استمراره في المشهد السياسي.
    •    انعقاد المجلس في هذا الظرف وفي ظل النقاش الساخن الذي أفرزته المرحلة، يعد انتصارا لوحدة الصف التنظيمي وتماسكه الداخلي، باعتبار أن حماية الآلية التنظيمية جزء أساسي في حسن مقاربة الإشكالات الصعبة التي فُرضت على الحزب في هذه المرحلة، ووجد نفسه متأثرا على المستوى التنظيمي والمواقف أيضا، بتداعياتها وما أفرزته من تجاذبات قوية، لن نجد أحسن توصيف لها من ذلك الذي اختاره ابن كيران نفسُه حين وصفِه إياها بالزلزال.
    •     الذهاب إلى المستقبل مع الحرص على استقلالية القرار السياسي، ودعم حرية التعبير والركون المطلق للديمقراطية والعمل المؤسساتي، وتعزيز الثقة الداخلية، هي أدوات مجابهة المرحلة ومستحقاتها، وبدونها سيكون الحزب عاجزا عن مقاربة إشكالات وإكراهات المرحلة.
    •    كثير من التنظيمات فشلت حيث نجح العدالة والتنمية، وكثيرون تمنوا أن يتحول انعقاد المجلس الوطني إلى إسفين يدق في وحدة التنظيم، وكثيرون توقعوا أن يحدث انقسام وتصدع ولما لا مواجهات كتلك التي وقعت وتقع للأسف بين أبناء التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية، وتنتهي دوما باستقواء طرف على آخر بأجهزة الدولة  أو بالقضاء، لكن حتما تفرز مواسم للهجرات في “أرض الله الواسعة”.
إلى ذلكم الحين يبدو أن نهاية ابن كيران ستتأخر كثيرا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى